اسماعيل بن محمد القونوي
15
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
جئت به ) « 1 » خطاب لرسول اللّه عليه السّلام فالمراد بهم حلفاء اليهود فضمير قالوا راجع إلى نوع اليهود من حيث وجوده في ضمن أبنائهم فالغلف جمع أغلف وسكون اللام على الأصل كحمر في جمع أحمر وهو ذو الغلفة الذي لم يختن قوله ( ولا تفقهه ) أي ولا نعلمه لعدم وصوله فهو من عطف المعلول ( مستعار من الأغلف الذي لم يختن ) والجامع بينهما المستورية مطلقا فكما أن الأغلف مستور موضع ختانه بالجلد كذلك هؤلاء مستورة قلوبهم بهيئة مانعة عن وصول ما جاء به الرسول عليه السّلام وتلك الهيئة إما خلقية وهو الوجه الأول حمل الأغطية على الخلقية ليفيد المبالغة في عدم وصول ما جاء به في قلوبهم وهذا كقولهم : قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ [ فصلت : 5 ] ولأن الاستعارة من الأغلف الذي لم يختن فالأولى أن يكون المستعار له مناسبا للمستعار منه وذلك بأن يكون كل منهما خلقيين وكون كل مولود يولد على فطرة التمكن من النظر الصحيح المؤدي إلى الحق لا ينافي ذلك لأن ذلك ادعاء منهم على ما فهم من كلامهم حيث قالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ [ البقرة : 88 ] وقد عرفت أن المستعار له والمستعار منه متناسبان في وجه الشبه بأن يكون كل منهما خلقيين . قوله : ( وقيل أصله غلف ) بضم اللام ( جمع غلاف ) بكسر الغين ككتاب وكتب ( فخفف ) بسكون اللام كما مر في القدس ( والمعنى ) على تقدير كون أصله غلف جمع غلاف ( أنها ) أي قلوبهم ( أوعية العلم لا تسمع ) أي تلك القلوب على الإسناد المجازي ( علما ) أي معلوما من شأنه تعلق العلم به ( إلا وعنه ولا تعي ) أي لا تحفظ القلوب ( ما الفطرة التي فطر اللّه الناس عليها ولهم قدرة وتمكن من قبول الدعوة ولكن لما ضيعوا تلك الفطرة بإحداثهم الكفر وتمرنوا عليه خذلهم اللّه وأبطل استعدادهم بسبب ما أحدثوه باختيارهم فهذا إثبات للقدرة والإخبار لهم في مقابلة نفيهم الاختيار عن أنفسهم قيل في قوله بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ترق من الأخف إلى الأغلظ ورد لقولهم فيما ادعوه أبلغ رد كأنهم قالوا نحن من الذين ختم اللّه على قلوبهم فردوا بأنهم مطرودون وأكفر منهم حيث جعلتم ما هو سبب للإيمان سببا للكفر قديما كما قال فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ وحديثا حيث جاءكم كتاب من عند اللّه مصدق لما معكم ورسول قد كنتم تستفتحون بقدومه على الكفار فكذبتم بالكتاب وكفرتم بالرسول فكررتم الكفر فكذلك كرر اللعنة وجعله تتميما للآية بقوله فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ [ البقرة : 89 ] وعقبه بقوله فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ قوله مستعار من الأغلف استعارة مصرحة حيث شبه قلوبهم في عدم نفوذ الحق فيها بشيء مغلف بغلاف بحيث يمنع أن يتصل بجوفه شيء من خارج فاستعير للمشبه ما هو موضوع للمشبه به وهو لفظ غلف .
--> ( 1 ) عطف على استكبرتم وكلما ظرف لاستكبرتم أو كذبتم فيكون تفسير الاستكبار وعلى التقديرين فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة إعراضا عن مخاطبتهم كذا قيل وأنت خبير بأن المراد بالمخاطبين في استكبرتم أسلافهم والمراد بمرجع قالوا خلافهم كما أشار إليهما المصنف فلا التفات ولا عطف بل جملة ابتدائية مسوقة لبيان جناية أبنائهم .